ابن الجوزي
401
كتاب ذم الهوى
ثم عدنا إلى موضعنا فلم يقع يومنا ذلك شيء ، فلما أمسينا صرنا إلى الغار فبتنا فيه ، فلما أصبحنا غدا إلى شركه وغدوت معه ، فنصبه وقعدنا نتحدث وقد شغلني يا أمير المؤمنين بحسن حديثه عن الجوع ، فبينا نحن نتحدث إذ وقعت في الشرك ظبية فوثب إليها ووثبت معه فاستخرجها من الشرك ، ثم نظر في وجهها وأراد أن يطلقها فقبضت على يده وقلت : ماذا تريد أن تعمل ؟ أقمت لديك ثلاثا كلما صدت شيئا أطلقته ! قال : فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ يقول : أتلحى محبّا هائم القلب أن رأى * شبيها لمن يهواه في الحبل موثقا فلما دنا منه تذكّر شجوه * وذكّره من قد نأى فتشوّقا فرحمته واللّه يا أمير المؤمنين وبكيت لبكائه ، ونسبته ، فإذا هو قيس بن معاذ المجنون . فذاك واللّه أعشق مني يا أمير المؤمنين . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار . وأخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قال : أخبرنا جعفر بن أحمد السّرّاج ، قالا : أنبأنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أنبأنا ابن حيّويه ، قال : أنبأنا ابن خلف ، قال : حدثني قاسم بن الحسن ، عن العمري ، قال : أنبأنا الهيثم بن عدي ، قال : أنبأنا عثمان بن عمارة ، عن أشياخهم من بني مرّة ، قال : رحل رجل منا إلى ناحية الشام مما يلي تيماء ، والشّراة في طلب بغية له ، فإذا هو بخيمة قد رفعت له ، وقد أصابه مطر ، فعدل إليها فتنحنح ، فإذا امرأة قد كلّمته ، فقالت له : انزل . فنزل وراحت إبلهم وغنمهم ، فإذا أمر عظيم وإذا رعاء كثير ، فقالت لبعض العبيد : سلوا هذا الرجل : من أين أقبل ؟ فقلت : من ناحية اليمامة ونجد . فقالت : أيّ بلاد نجد وطئت ؟ فقلت : كلها . فقالت : عند من نزلت هناك ؟ قلت : ببني عامر . فتنفّست الصّعداء ، وقالت بأيّ بني عامر ؟ فقلت : ببني الحريش . فاستعبرت ، ثم قالت : هل سمعت بذكر فتى يقال له قيس ، ويلقب بالمجنون ؟ فقلت : إي واللّه ونزلت بأبيه وأتيته حتى نظرت إليه يهيم في تلك الفيافي ويكون مع الوحوش لا يعقل ولا يفهم إلا